اخصائي نفسيالأسبوع العربيمقالاتمنوعات

نحن نسخة مكررة من الآخرين

نحن نسخة مكررة من الآخرين
مقال رأي | كيف يصنع المجتمع بشرًا بلا ملامح
بقلم: سهير محمود عيد
لم نُهزم فجأة، بل استسلمنا بهدوء.
تنازلنا عن أنفسنا خطوة بعد خطوة، حتى صرنا غرباء داخل حياتنا. لا نعيش كما نريد، بل كما يُطلب منا. نضحك في الوقت المناسب، نصمت حين يجب أن نصرخ، ونقنع أنفسنا أن هذا طبيعي. والحقيقة المؤلمة؟ نحن لم نعد بشرًا أحرارًا، بل نسخًا مكررة من الآخرين.
نستيقظ كل صباح ونحن نظن أننا نعيش حياتنا، بينما نحن في الحقيقة نؤدي أدوارًا كُتبت لنا سلفًا. نرتدي أفكارًا ليست أفكارنا، ونحمل أحلامًا لم نولد بها، لكن تكرارها على مسامعنا جعلنا نصدق أنها تخصنا. هكذا يفقد الإنسان ملامحه دون أن يشعر.
منذ الطفولة، يبدأ التشكيل القسري.
“كن مثل غيرك”، “لا تختلف كثيرًا”، “الطريق الآمن أفضل”. نتعلم مبكرًا أن القبول أهم من الصدق، وأن التشابه أسهل من المواجهة، وأن الاختلاف ثمنه غالٍ. ومع الوقت، نختار الصمت لا الحكمة، والتنازل لا السلام، فنكبر ونحن نحمل حياة لا تشبهنا.
متى فقدنا أنفسنا؟
فقدناها حين صدقنا أن النجاح له شكل واحد، وأن السعادة قالب جاهز، وأن التفكير المختلف تهديد لا ميزة. فقدناها عندما استبدلنا “أنا أريد” بـ “المجتمع ينتظر”، وعندما أصبح رأي الناس ميزان قراراتنا، لا قناعاتنا.
النسخ البشرية لا تُصنع فجأة، بل بالتدريج.
تنازل صغير هنا، وسكوت مبرر هناك، حتى نجد أنفسنا ندافع عن أفكار لم نخترها، ونعيش علاقات لا تشبهنا، ونبرر حياة لم نقررها يومًا.
الخوف… مصنع النسخ المتشابهة
الخوف هو المصنع الأكبر للنسخ المكررة.
الخوف من الرفض، من الوحدة، من الفشل، من أن نقف وحدنا. لذلك نفضّل أن نكون عاديين على أن نكون صادقين، وأن نذوب في القطيع على أن نتحمل مسؤولية ذواتنا.
لكن السؤال الحقيقي الذي نخشى مواجهته:
هل حياة بلا ذات… تستحق أن تُعاش؟
الشجاعة ليست في الصعود
الشجاعة ليست في الوصول إلى القمة، بل في اختيار الطريق. في أن نقول “لا” حين ينتظر الجميع “نعم”. في أن نعيد النظر في كل ما ورثناه دون تفكير: الأفكار، الأحكام، العلاقات، وحتى الأحلام.
التحرر لا يعني التمرد الأعمى، بل الوعي.
أن نعرف لماذا نؤمن بما نؤمن به، ولماذا نعيش كما نعيش. أن نكون نسخة واحدة فقط… من أنفسنا، لا ظلًا باهتًا لغيرنا.
في النهاية
لسنا مطالبين أن نكون مثل الآخرين لننجو،
ولا مضطرين لإرضاء الجميع لنُحَب.
الحياة أقصر من أن نعيشها بالنيابة عن غيرنا، وأثمن من أن نضيعها في تقليد لا نهاية له.
النجاة الحقيقية تبدأ حين نكفّ عن النسخ… ونبدأ في الوجود.
من الكاتبة :
سهير محمود عيد….صوت صادق بين صخب الكلمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى